ابن عساكر

33

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

خمس مائة أهل بيت نم عكّ وجفنة حتى دخل القسطنطينيّة في زمن هرقل فتنصّر هو وقومه فلما رأى ذلك هرقل أقطعه حيث شاء وأجرى عليه من النّزل ما شاء ، وجعله من سمّاره ومحدثيه ، وظنّ أنه فتح من الفتوح عليه عظيم ، فمكث دهرا ، ثم إنّ عمر بدا له أن يكتب إلى هرقل كتابا يدعوه إلى اللّه عز وجل وإلى الإسلام ، فكتب إليه ووجه به مع رجل من أصحابه « 1 » ، فأتى هرقل ، فأعطاه كتاب عمر ، فسرّ به وأجاب إلى كل خير من غير أن يجيب إلى الإسلام ، ولما أراد صاحب عمر الخروج من عنده ، قال هرقل يا عربي قال : قل ما تشاء ؟ قال : هل لقيت ابن عمك ؟ قال : من ابن عمي ؟ قال : جبلة بن أيهم الغسّاني . قال : لا ، قال : فألقه وانظر إلى حاله ، قال صاحب عمر : فأتيت جبلة بن أيهم ، فما إخالني رأيت بباب هرقل من السرور والبهجة ما رأيت بباب جبلة ، فلما استأذنت عليه أذن لي ، فدخلت ، فقام إليّ ورحّب بي وألطفني وعانقني وعاتبني في ترك النزول عليه . قال : وإذا هو في بهو عظيم فيه من التماثيل والهول ما لا أحسن أصفه ، وإذا هو في جماعة على سرير من ذهب وأربع قوائمه أسد من ذهب ، وإذا هو رجل أصهب « 2 » ذو سبال « 3 » ، وإذا هو قد أمر بالذهب الأحمر فسحك « 4 » فذرّ في لحيته ، واستقبل مجلسه ذلك عين الشمس ، فما أحسبني رأيت شيئا قطّ أحسن منه ، ثم أجلسني على شيء لم أتبيّنه فلما تبيّنته إذا هو كرسيّ من ذهب ، فانحدرت عنه ، فقال : ما لك ؟ قلت : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن هذا وشبهه ، قال : وسألني عن الناس ، وألحف في السؤال عن عمر ، ثم جعل يتنهّد حتى عرف الحزن فيه ، فقلت : ما يمنعك من الرجوع إلى قومك وإلى الإسلام ؟ قال : بعد الذي كان ! قلت : نعم ، وكان الأشعث بن قيس الكندي ارتدّ عن الإسلام فضرهم بالسيف ومنعهم الزكاة ، ثم دخل في الإسلام وزوّجه أبو بكر الصديق ، فقال : دع هذا عنك ، ثم أومأ إلى وصيف قائم على رأسه فولى يحضر فما شعرنا إلّا بالصناديق يحملها الرجال ، فوضعت أمامنا مائدة من ذهب فاستعفيت منها ، فأمر بمائدة خلنج « 5 » فوضعت

--> ( 1 ) هو جثامة بن مساحق الكناني ، كما في البداية والنهاية . ( 2 ) أصهب : الشعر يخالط بياضه حمرة . والصهب محركة : لون حمرة أو شقرة في الشعر ، أي شعر الرأس . ( تاج العروس : صهب ) . ( 3 ) سبال : واحدها سبلة بالتحريك ، وهي الدائرة في وسط الشفة العليا أو السبلة هي ما على الشارب من الشعر . أو طرفة أو مجتمع الشاربين أو ما على الذقن إلى طرف اللحية كلها أو مقدمها خاصة . ( تاج العروس : سبل ) . ( 4 ) سحك أي سحق . ( 5 ) خلنج : شجر فارسي معرب ، تتخذ من خشبه الأواني ( اللسان ) .